أحمد بن عبد الله الطبري ( المحب الطبري )
96
الرياض النضرة في مناقب العشرة
صدور ذلك من الغلام ، فيكون قد فعله من نفسه غضبا لمولاه ، فإن ابن مسعود كان يجبه عثمان بالكلام ويلقاه بما يكرهه ، ولو صح ذلك عنه لكان محمولا على الأدب ، فإن منصب الخلافة لا يحتمل ذلك ، ويصنع ذلك منه بين العامة ، وليس هذا بأعظم من ضرب عمر سعد بن أبي وقاص بالدرة على رأسه حين لم يقم له ، وقال له : إنك لم تهب الخلافة فأردت أن تعرف أن الخلافة لا تهابك . ولم يغير ذلك سعداً ولا رآه عيباً وكذلك ضربه لأبي بن كعب حين رآه يمشي وخلفه قوم فعلاه بالدرة وقال : إن هذه مذلة التابع وفتنة للمتبوع ، ولم يطعن أبي بذلك على عمر ، بل رآه أدباً منه نفعه الله به ، ولم يزل دأب الخلفاء والأمراء تأديب من رأوا منه الخلاف ، على أنه قد روي أن عثمان اعتذر لابن مسعود وأختاه في منزله ، حين بلغه مرضه وسأله أن يستغفر له وقال : يا أبا عيد الرحمن هذا عطاؤك فخذه . قال له ابن مسعود : وما أتيتني به إذا كان ينفعني ، وجئتني به عند الموت ! ؟ لا أقبله . فمضى عثمان إلى أم حبيبة ، وسألها أن تطلب إلى ابن مسعود ليرضى عنه ، فكلمته أم حبيبة ، ثم أتاه عثمان فقال له : يا أبا عبد الله ، ألا تقول كما قال يوسف لأخوته : " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم " ؟ فلم يكلمه ابن مسعود . وإذا ثبت هذا فقد فعل عثمان ما هو الممكن في حقه واللائق بمنصبه أولا وآخراً ، ولو فرض خطؤه فقد أظهر التوبة والتمس الاستغفار ، واعتذر بالذنب لمن لم يقبله حينئذ ، فإن الله أخبر أنه : " يقبل التوبة عن عباده " ، وفي ذلك حثهم على الاقتداء به على أنه قد نقل أن ابن مسعود رضي عنه واستغفر له . قال سلمة بن سعيد : دخلت على ابن مسعود في مرضه الذي توفي فيه ، وعنده قوم يذكرون عثمان فقال لهم : مهلا فإنكم إن قتلتموه لا تصيبون مثله . وأما عزله عن الكوفة وإشخاصه إلى المدينة وهجره له وجفاؤه إياه ،